فصل: الحديث السَّادِس عشر:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير



.الحديث الثَّامِن:

قَالَ الرَّافِعِيّ: وَإِن تأتى اتِّخَاذ إِزَار- أَي: من السَّرَاوِيل- فلبسه عَلَى هَيئته- أَي: سراويلاً- فَهَل يلْزمه الْفِدْيَة؟ فِيهِ وَجْهَان: أَحدهمَا: لَا، لإِطْلَاق الخَبَر.
قلت: مُرَاده بذلك مَا أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «مَنْ لم يجدْ إزارًا فَلْيَلْبَسْ سروايلَ، وَمن لم يجدْ نعلَيْن فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْن». وَفِي رِوَايَة لَهما: «سمعتُ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يخْطب بعرفاتٍ وَهُوَ يَقُول...» الحَدِيث، وَأخرجه مُسلم من حَدِيث جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «مَنْ لم يَجِدْ نَعْلَيْن فليلبسْ خُفَّيْن، ومَنْ لم يجدْ إزارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيل».

.الحديث التَّاسِع:

رُوِيَ أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «إِحْرَام الْمَرْأَة فِي وَجههَا».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الطبرانيُّ فِي أكبر معاجمه وابْنُ عدي فِي كَامِله وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنَيْهِمَا من رِوَايَة ابْن عُمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «لَيْسَ عَلَى المرأةِ حرم إِلَّا فِي وَجههَا». وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف، فِي إِسْنَاده أَيُّوب بن مُحَمَّد أَبُو سُهَيْل الْعجلِيّ اليمامي، يلقب: أَبَا الْجمل، قَالَ أَبُو زرْعَة: مُنكر الحَدِيث. وَقَالَ يَحْيَى بن معِين: ضَعِيف. وَقَالَ مَرَّةً: لَا شَيْء. وَقَالَ ابْن عدي: لَا أعلمهُ يرفعهُ عَن عبيد الله- يَعْنِي: رَاوِيه عَن نَافِع، عَن ابْن عمر-
غير أبي الْجمل هَذَا. وَقَالَ فِي إِسْنَاده كَمَا سَيَأْتِي: إِنَّه ثِقَة. وَقَالَ العُقيلي فِي ضُعَفَائِهِ: لَا يُتابع أَيُّوب بن مُحَمَّد عَلَى رَفْعِهِ؛ فَإِنَّهُ يَهِم فِي بعض حَدِيثه، إِنَّمَا يرْوَى مَوْقُوف. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله: الصَّوَاب وَقْفُهُ عَلَى ابْن عُمر. قَالَ: وَأَيوب هَذَا من أهل الْيمن ضَعِيف.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَقِبَ إِخْرَاجه من طَرِيق ابْن عدي، وذكْرِ توثيقه فِي إِسْنَاده: أَيُّوب هَذَا ضَعِيف عِنْد أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ، ضعفه يَحْيَى بْنُ معِين وغيرُه. وَقَالَ فِي خلافياته: قَالَ الْحَاكِم: هَكَذَا رَوَاهُ أَيُّوب عَن ابْن عُمر مُسْندًا مَرْفُوعا، وحاله عِنْد أَئِمَّة أهل النَّقْل بِخِلَاف مَا عدَّله بِهِ عبد الله بن رَجَاء، قَالَ ابْن معِين: شيخ يماني ضَعِيف. وَنقل الذهبيُّ فِي مِيزَانه عَن الْفَسَوِي توثيقَه. وَقَالَ فِي ضُعَفَائِهِ: ضعفه ابْنُ معِين وَوَثَّقَهُ غيرُه. وَقَالَ عبد الْحق: أحسن مَا سمعتُ فِي أَيُّوب هَذَا أَنه لَا بَأْس بِهِ. قَالَ ابْن الْقطَّان: هُوَ قَوْلَةُ أبي حَاتِم فِيهِ. قَالَ: وَقد سمع فِيهِ أحسن مِمَّا سَمعه أَبُو مُحَمَّد؛ فَإِن ابْن عدي ذكر توثيقَه فِي إِسْنَاده، فَإِنَّهُ لمَّا وصل فِي إِسْنَاده إِلَى يَعْقُوب بن سُفْيَان قَالَ: نَا عبيد الله بن رَجَاء، نَا أَيُّوب بن مُحَمَّد أَبُو الْجمل ثِقَة.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه: وَقد رُوي هَذَا الحَدِيث من وَجه آخر مجهولٍ عَن عبيد الله بن عُمر مَرْفُوعا. قَالَ: وَالصَّحِيح أَنه مَوْقُوف عَلَى ابْن عُمر أَنه قَالَ: «إِحْرَام الْمَرْأَة فِي وَجههَا، وإحرام الرجل فِي رَأسه» هَكَذَا رَوَاهُ جماعةُ مَوْقُوفا عَلَيْهِ، وَكَذَا قَالَ فِي الْمعرفَة بعد أَن رَوَاهُ هَكَذَا مَوْقُوفا عَلَيْهِ: ورُوي عَنهُ مَرْفُوعا، ورَفْعه ضَعِيف.

.الحديث العَاشِر:

عَن ابْن عُمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي المُحْرِم: «لَا يَلْبَسُ من الثِّيَاب شَيْئا مَسّه زعفران وَلَا ورس».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، كَمَا تقدم فِي الحَدِيث الرَّابِع.

.الحديث الحَادِي عشر:

«أَن رجلا أَتَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعَلِيهِ جُبَّة، وَهُوَ متُضَمِّخ بالخلوق، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي أَحْرَمْتُ بِالْعُمْرَةِ وَهَذِه عليَّ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: مَا كُنْتَ تصنعُ فِي حجتك؟ قَالَ: كنت أنزع هَذِه وأغسلُ هَذَا الخلوق. فَقَالَ: مَا كنت صانعًا فِي حجتك فَاصْنَعْ فِي عمرتك».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث يعْلى بن أُمَيَّةَ- بِضَم الْهمزَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْمُثَنَّاة تَحت، وَهُوَ أَبوهُ، وَيُقَال: ابْن مُنْية- بِضَم الْمِيم وَسُكُون النُّون وَتَخْفِيف الْمُثَنَّاة تَحت، وَهِي أُمُّه- «أَن رجلا أَتَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ بالجِعْرَانة قد أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، وَهُوَ مصفّر لحيته وَرَأسه، وَعَلِيهِ جُبَّة، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، أَحْرَمْتُ بِعُمَرةٍ وَأَنا كَمَا ترَى. قَالَ: انْزعْ عَنْك الجُبَّةَ واغْسِلْ عَنْك الصُّفْرَةَ...». وَفِي رِوَايَة لَهما: «وَهُوَ مُتَضَمِّخ بِطيب»، وفيهَا: «إِن الْوَحْي جَاءَهُ إِذْ ذَاك وَأَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لَهُ: اغْسِلْ الطّيب الَّذِي بك ثَلَاث مراتٍ، وانْزع عَنْك الجُبَّةَ، واصْنَعْ فِي عُمْرَتك مَا تَصْنَعُ فِي حَجِّك». قلتُ لعطاء: أَرَادَ الإنقاء حِين أَمَرَه أَن يغسل ثَلَاث مراتٍ؟ قَالَ: نعم. زَاد النَّسَائِيّ بعد قَوْله: «ثَلَاث مراتٍ»: «ثمَّ أَحْدِثْ إحرامًا». ثمَّ قَالَ: لَا أحْسبُ هَذِه الزِّيَادَة مَحْفُوظَة. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته: قَالَ أَبُو عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ: لَا أعلم أَن أحدا قَالَ: «ثمَّ أَحْدِث إحرامًا» غَيْرَ نوح بن حبيب، وَلَا أَحْسبهُ مَحْفُوظًا بِهَذِهِ الزِّيَادَة. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرَوَاهُ جماعات فَلم يذكرُوا هَذِه الزِّيَادَة، وَلم يقبلهَا أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ من نوح. وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد: فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام:
«اخْلَعْ جُبَّتَك. فخلعها من رَأسه».
فَائِدَة: الخَلُوق- بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة- طِيْب مَعْرُوف يُتَّخذ من الزَّعْفَرَان وَغَيره من أَنْوَاع الطِّيْب، وتَغْلُبُ عَلَيْهِ الحُمْرَةُ أَو الصُّفْرَةُ. قَالَه الْمُنْذِرِيّ فِي حَوَاشِي السُّنن.
فَائِدَة: المهمل الَّذِي وَقع فِي الحَدِيث الظَّاهِر أَنه عَمْرو بن سَواد إِذْ فِي كتاب الشِّفَاء لعياض عَنهُ قَالَ: «أتيت النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنا متخلق فَقَالَ: ورس ورس، حط حط. وغشيني بقضيب فِي يَده فِي بَطْني فأوجعني...» الحَدِيث.

.الحديث الثَّانِي عشر:

عَن أبي أَيُّوب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يغْتَسل وَهُوَ مُحْرم».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا مطولا بِقِصَّةٍ. بِلَفْظ: «أَنه رَأَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يغْتَسل وَهُوَ محرم» لَا بِلَفْظ: كَانَ. وبذكر الْكَيْفِيَّة: «أَنه صَبَّ عَلَى رَأسه، ثمَّ حرَّك رأسَهُ بيدَيْهِ؛ فأَقْبَلَ بهما وأدْبَر، وَقَالَ: هَكَذَا رأيتُه يفعلُ».

.الحديث الثَّالِث عشر:

عَن كَعْب بن عجْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «أَنه كَانَ يُوقد تَحت قدر، والهوام تنتثر من رَأسه، فَمر بِهِ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: أَيُؤْذِيك هوَام رَأسك؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فَاحْلِقْ رَأسك، وانسك بِدَم، أَو صم ثَلَاثَة أَيَّام، أَو تصدق بفرق من طَعَام عَلَى سِتَّة مَسَاكِين».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا برواياتٍ فِي بَعْضهَا: «فَاحْلِقْ وصُم ثَلَاثَة أَيَّام، أَو أطْعم سِتَّة مَسَاكِين، أَو انسك نسيكةً». قَالَ أَيُّوب- أحد رُوَاته-: فَلَا أَدْرِي بِأَيّ ذَلِك بَدَأَ. وَفِي بَعْضهَا: قَالَ كَعْب: «فيَّ نزلتْ هَذِه الْآيَة: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُم مَرِيضا أَو بِهِ أَذَى من رَأسه} فأتيتُه، فَقَالَ: ادنه. فدنوتُ، فَقَالَ: أَيُؤْذِيك هوَام رَأسك؟- قَالَ ابْن عون: أَظُنهُ قَالَ: نعم- قَالَ: فَأمرنِي بِصَدقَة أَو صِيَام أَو نسك مَا تيَسّر». وَفِي بَعْضهَا: «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام وقف عَلَيْهِ وَرَأسه تتهافتْ قملاً، قَالَ: أَيُؤْذِيك هَوَامك؟ قلت: نَعَمْ. قَالَ: فاحْلِقْ رَأسك، ففيَّ نزلت هَذِه الْآيَة: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُم مَرِيضا} إِلَى قَوْله: {أَو نسك} فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: صُمْ ثَلَاثَة أَيَّام، أَو تصدَّقْ بِفِرْقٍ بَين سِتَّةٍ، أَو انْسك مَا تَيسَّر». وَفِي بَعْضهَا: «فَاحْلِقْ رَأسك، وأطْعِمْ فِرْقًا بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِين- وَالْفرق ثَلَاثَة آصُع- أَو صُمْ ثَلَاثَة أيامٍ، أَو انسك نسيكة» وَفِي بَعْضهَا «صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام أَو إطْعَام سِتَّة مَسَاكِين نصف صاعٍ، نصف صَاع طَعَاما لكل مِسْكين. قَالَ: فنزلَتْ فيَّ خَاصَّة، وَهِي لكم عَامَّة». وَفِي بَعْضهَا: «أَنه خرج مَعَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم محرِمًا، فَقَمُلَ رأسُهُ ولحيتُه، فَبلغ ذَلِك رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم؛ فأرْسلَ إِلَيْهِ، فَدَعَا الحلاَّقَ فَحَلَقَ رأسَهُ، ثمَّ قَالَ لَهُ: هَل عنْدك نُسُك؟ قَالَ: مَا أقدرُ عَلَيْهِ. فَأمره أَن يَصُوم ثَلَاثَة أَيَّام، أَو يطعم سِتَّة مَسَاكِين كلَّ مسكينٍ نصف صَاع». وَفِي رِوَايَة لمُسلم: «احْلِقْ ثمَّ اذْبَحْ شَاة نُسُكًا، أَو صُمْ ثَلَاثَة أَيَّام، أَو أَطْعِمْ ثَلَاثَة آصُع من تَمْر عَلَى سِتَّة مَسَاكِين» وَفِي رِوَايَة لِابْنِ حبَان فِي صَحِيحه «فَأمرنِي بصيام أَو صَدَقَة أَو نسك أَو أَيّمَا تيَسّر لَك» كَذَا رأيتُه، وَصَوَابه: «أَو نسك مَا تيسَّر».

.الحديث الرَّابِع عشر:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فاتَتْه صلاةُ الصُّبْح فَلم يُصَلِّها حَتَّى خرج من الْوَادي».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، كَمَا سلف فِي بَاب الْأَذَان، فراجِعْه مِنْهُ. واعْلَمْ: أَن الرافعيَّ ذكر هَذَا دَلِيلا للمشهور أنَّ غير المتعدِّي لَا يلْزمه الْفَوْر فِي الْقَضَاء، وَلَك أَن تَقول: إِنَّمَا أخَّر لأمرٍ آخر وَهُوَ أَن فِي الْوَادي شَيْطَانا، كَمَا أخْبَر بِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ.

.الحديث الخَامِس عشر:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي الْفَائِتَة: فَلْيُصَلِّها إِذا ذكرهَا».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، كَمَا سلف فِي بَاب التَّيَمُّم، فراجِعْهُ مِنْهُ.

.الحديث السَّادِس عشر:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي الحَرَم: لَا ينفر صَيْدُه».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم فتح مَكَّة: «إنَّ هَذَا الْبَلَد حرَّمه الله يَوْم خلق السَّمَاوَات، لَا يعضد شَوْكُهُ، وَلَا يُخْتلى خَلاَهُ، وَلَا ينفر صيدُه، وَلَا تُلْتقط لُقَطَتُهُ إِلَّا لمعَرِّف. فَقَالَ الْعَبَّاس: إِلَّا الْإِذْخر؛ فَإِنَّهُ لابد مِنْهُ للقُيُون والبيوت. فَقَالَ: إِلَّا الْإِذْخر» وَأَخْرَجَاهُ أَيْضا من حَدِيث أَبَى هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم لمَّا فتح مكةَ قَالَ: «لَا ينفر صيدُها، وَلَا يُخْتَلى خَلاهَا، وَلَا تَحِلُّ ساقطتها إِلَّا لِمُنْشِد. فَقَالَ الْعَبَّاس: إِلَّا الْإِذْخر؛ فَإنَّا نجعله لِقُبُورِنَا وَبُيُوتنَا. فَقَالَ: إِلَّا الْإِذْخر».
فَائِدَة: الْعَضُد: القطْع. والإِذْخر بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، كَذَا قيَّدَهُ غيرُ واحدٍ، مِنْهُم صاحبُ الإِمام وَهُوَ نَبْت طيب الرّيح، قَالَ الْخطابِيّ: وَهُوَ مكسور الأوَّل، والعامَّةُ تفتحه وَلَيْسَ بصوابٍ. والقَيْن: الحَدَّاد.

.الحديث السَّابِع عشر:

عَن كَعْب بن عجْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَضَى فِي بَيْضِ نعَامٍ أَصَابَهُ المُحْرِمُ بِقِيمَتِهِ».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث عباد بن يَعْقُوب، نَا إِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى، عَن حُسَيْن بن عبد الله بن عبيد الله، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عباسٍ، عَن كَعْب بن عجْرَة: «أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَضَى فِي بَيْضِ النَّعَام أَصَابَهُ مُحْرِم بِقَدْر ثمنه». وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق الدَّارَقُطْنِيّ سَوَاء، ثمَّ قَالَ: وَرَوَاهُ مُوسَى بن دَاوُد، عَن إِبْرَاهِيم وَقَالَ: «بِقِيمَتِه» وَهَذَا مَا فِي الرَّافِعِيّ وَعباد هَذَا هُوَ الروَاجِنِي، من رجال البُخَارِيّ، لَكِن قَالَ ابْن حبَان: هُوَ رَافِضِي دَاعِيَة، يروي الْمَنَاكِير عَن الْمَشَاهِير؛ فَاسْتحقَّ التركَ. وَقَالَ ابْن عدي: يروي أَحَادِيث أُنْكِرَتْ عَلَيْهِ فِي فَضْلِ أهل البَيْتِ ومثالبِ غيرِهم. وَإِبْرَاهِيم هَذَا قد علمتَ حالَهُ فِي كتاب الطَّهَارَة وحُسَين هَذَا تَركه النسائيُّ وابْنُ الْمَدِينِيّ، وَقَالَ يَحْيَى: ضَعِيف. وَقَالَ مرّة: لَيْسَ بِهِ بَأْس، يُكْتَبُ حديثُه. لَا جرم قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه: هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بشيءٍ.
قلت: وَرُوِيَ من طَرِيق آخر، رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث أبي المهزم، عَن أبي هُرَيْرَة «أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَضَى فِي بَيْضٍ يُصِيبهُ الْمحرم ثمنه». وَأَبُو المهزم هَذَا فتح الأميرُ ابْن مَاكُولَا الزايَ مِنْهُ، وَقَالَ ابْن نَاصِر: بِكَسْرِهَا. حَكَاهُ ابْن قُتَيْبَة فِيمَا غيَّرَهُ أَصْحَاب الحَدِيث من الْأَسْمَاء، واسْمه يزِيد بن سُفْيَان بَصرِي ضعَّفوه، قَالَ شُعْبَة: لَو أَعْطَوه فِلْسًا لَحَدَّثهم سبعين حَدِيثا. وَقَالَ ابْن حزم فِي محلاه: هَالك. قَالَ ابْن الْقطَّان: وَالَّذِي رَوَاهُ عَن أبي المهزم هُوَ عَلّي بن غرابٍ، وَقد عنعن وَلم يُصَرح بِالتَّحْدِيثِ، وَهُوَ مَشْهُور بالتدليس وإنْ كَانَ صَدُوقًا.
قلت: بَين عَلّي بن غراب وَأبي المهزم حسينُ المُعَلم كَذَا هُوَ فِي الدَّارَقُطْنِيّ. وأمَّا ابْن مَاجَه فَفِي سَنَده بدل عَلّي بن غرابٍ: عَلّي بن عبد الْعَزِيز، وَقيل: إِنَّه هُوَ، فتنبّه لذَلِك.
قَالَ الرّبيع: قلت للشَّافِعِيّ: هَل تروي فِي هَذِه المسألةِ شَيْئا عَالِيا؟ فَقَالَ: أما شَيْء يَثْبُتْ مِثْلُه فَلَا. فَقلت: مَا هُوَ؟ قَالَ: أَخْبرنِي الثِّقَة عَن أبي الزِّنَاد أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ «فِي بَيْضِ النعام يُصِيبهَا المُحْرِمُ قيمتهَا». قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقد رُوي هَذَا مَوْصُولا، إِلَّا أَنه مُخْتَلف فِيهِ. قَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب: وأجودُ مَا ورد فِي هَذَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله عَن يَحْيَى بن خلف، نَا أَبُو عَاصِم، عَن ابْن جريج قَالَ: أَخْبرنِي زِيَاد، عَن أبي الزِّنَاد قَالَ: بَلغنِي عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم حكم فِي بيض النعام فِي كلِّ بَيْضَة صيامُ يَوْم». قَالَ أَبُو دَاوُد: وَقد أسْند هَذَا الحَدِيث، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح. قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه: إِن الصَّحِيح رِوَايَة زِيَاد، عَن أبي الزِّنَاد، عَن رجل، عَن عَائِشَة، قَالَه أَبُو دَاوُد السجستانيُّ وغيرُه من الحُفَّاظِ. وَقَالَ عبد الْحق: لَا يُسْنَدُ من وَجه صَحِيح.
قلت: وَحَدِيث عَائِشَة هَذَا رَوَاهُ الدارقطنيُّ، وَقَالَ فِيهِ: زِيَاد بن سعد، عَن أبي الزِّنَاد، عَن رجل، عَن عَائِشَة. وَهَذَا فِي حُكْم الْمُنْقَطع، وَوَصله من حَدِيث أبي الزِّنَاد، عَن عُرْوَة، عَن عَائِشَة. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله: سألتُ أبي عَن حَدِيث رَوَاهُ الوليدُ بن مُسلم، عَن ابْن جريج قَالَ: أحسن مَا سمعتُ فِي بيض النعام حَدِيث أبي الزِّنَاد، عَن الْأَعْرَج، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا فِي بَيْضِ النعامِ: «فِي كل بَيْضَةٍ صِيَام يومٍ، أَو إطْعَام مسكينٍ». فَقَالَ: هَذَا حَدِيث لَيْسَ بِصَحِيح عِنْدِي، وَلم يسمع ابْنُ جريج من أبي الزِّنَاد شَيْئا، يُشْبِهُ أَن يكون ابْن جريج أَخذه من إِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله: ذكر لِأَحْمَد بن حَنْبَل هَذَا الحديثُ فَقَالَ: لم يسمع ابْن جريج من أبي الزِّنَاد، إِنَّمَا يُرْوى عَن زِيَاد بن سعد عَن أبي الزِّنَاد.

.الحديث الثَّامِن عشر:

رُوِيَ أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «يَقْتُلُ المُحْرِمُ السَّبُعَ العَادِي».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ كَذَلِك أَحْمد فِي مُسْنده، وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه فِي سنَنَيْهِمَا، والترمذيُّ فِي جامعه من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم سُئِلَ عمَّا يَقْتُلُ المُحْرِمُ؟ قَالَ: الحَيَّة، وَالْعَقْرَب، والفُوَيسقة، وَيَرْمِي الغرابَ وَلَا يقْتله، وَالْكَلب الْعَقُور، والسَّبع العادي، والحدأة». وَهُوَ من رِوَايَة يزِيد بن أبي زِيَاد، وَقد تكلم فِيهِ غيرُ واحدٍ، وَأخرج لَهُ مُسلم مُتَابعَة، وحسَّن التِّرْمِذِيّ حَدِيثه هَذَا وَلم يُصَحِّحهُ لأَجْلِهِ، وَقَالَ ابْن حزم فِي محلاه: لم نَأْخُذ بِهَذَا الْخَبَر فِي النَّهْي عَن قَتْلِ الْغُرَاب؛ لِأَن رَاوِيه يزِيد بن أبي زِيَاد، وَقد قَالَ فِيهِ ابنُ الْمُبَارك: ارمِ بِهِ. عَلَى جمود لِسَان ابْن الْمُبَارك وَشدَّة توقيه، وَتكلم فِيهِ شعبةُ وأحمدُ، وَقَالَ فِيهِ يَحْيَى: لَا يحْتَج بحَديثه. وكذَّبه أَبُو أُسَامَة وَقَالَ: لَو حلف خمسين يَمِينا مَا صدقته.
قلت: وَمَا نَقله عَن ابْن الْمُبَارك من قَوْله: «ارْم بِهِ» كَذَا نَقله ابْن الْجَوْزِيّ عَنهُ أَيْضا. لَكِن الَّذِي نَقله الحافظُ جمالُ الدِّين الْمزي عَنهُ أَنه قَالَ: أَكْرِم بِهِ. كَذَا هُوَ بخَطِّهِ، وَبَينهمَا تفَاوت لائح، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح المهذَّب: إِن صَحَّ هَذَا الحَدِيث حُمِلَ قَوْلُهُ: «ويَرْمي الغرابَ وَلَا يقْتله» عَلَى أَنه لَا يتَأَكَّد ندب قَتله كتأكُّدِه فِي الحيَّة والفأرة وَالْكَلب الْعَقُور.

.الحديث التَّاسِع عشر:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «خَمْسُ فواسق يقتلن فِي الحَرَم: الْغُرَاب، والحدأة، وَالْعَقْرَب، والفأرة، وَالْكَلب الْعَقُور».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، وَفِي رِوَايَة لَهما: «فِي الحِلِّ وَالْحرم». وَلمُسلم عد «الْحَيَّة» منهُن، وَلم يذكرهَا البخاريُّ فِي هَذَا الحَدِيث، إِنَّمَا قَالَ: «الْعَقْرَب» وَلَا قيد الغرابَ بالأبقع، وَقَيده مُسلم بِهِ فِي رِوَايَة.
فَائِدَة: «خَمْس فواسق»: هُوَ بِإِضَافَة خمس لَا بتنوينه، كَمَا ذكره النوويُّ فِي شَرحه لمُسلم. وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيُّ الدِّين فِي شرح العُمْدة: الْمَشْهُور فِي الرِّوَايَة «خمس» بِالتَّنْوِينِ، أَي: و«فواسق» صفة لَهُ، وَتجوز بِالْإِضَافَة من غير تَنْوِين.

.الحديث العشْرُونَ:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «خَمْس من الدَّوَابّ لَيْسَ عَلَى المُحْرم فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاح...» فَذكر هَذَا الحَدِيث الْمَذْكُور.
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث ابْن عُمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور، وَفِي رِوَايَة لَهما: «فِي الحِلِّ وَالْإِحْرَام»، وَفِي رِوَايَة لمُسلم: «خمس من قتلهن وَهُوَ محرم فَلَا جُنَاح عَلَيْهِ». وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن زيد بن جُبَير قَالَ: «سَأَلَ رجل ابْن عمر: مَا يقتل الرجل مِنَ الدَّواب وَهُوَ مُحْرِم؟ قَالَ: حدَّثني إحْدَى نِسْوَةِ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه كَانَ يأمرُ بقتْل الْكَلْب، والفأرة، وَالْعَقْرَب، والحدأة، والغراب، والحيَّة. قَالَ: وَفِي الصَّلَاة أَيْضا». قَالَ الرَّافِعِيّ: وَفِي مَعْنَى هَذِه الْمَذْكُورَات الْحَيَّة وَالذِّئْب.
قلت: قد ورد النصُّ فيهمَا، أمَّا الْحَيَّة؛ فقد أسلفناها فِي حَدِيث عَائِشَة قَرِيبا عِنْد مسلمٍ، وَعِنْده أَيْضا من حَدِيث ابْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر محرما بقَتْلِ حَيَّةٍ بمنى» قَالَ الْحَاكِم: وَهُوَ عَلَى شَرط البُخَارِيّ. وَعند أَحْمد من حَدِيث جرير عَن لَيْث، عَن طَاوس، عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «خمس كُلهنَّ فاسقة، يقتلهن المُحْرِمُ ويُقْتَلْنَ فِي الْحرم: الْفَأْرَة، وَالْعَقْرَب، والحية، وَالْكَلب الْعَقُور، والغراب». وَعِنْده أَيْضا من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ ذكرهَا، وَقد أسلفناه فِي الحَدِيث الثَّامِن عشر. وَأما الذِّئْب: فَفِي مَرَاسِيل أبي دَاوُد عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «يقتل المُحْرِمُ الذئبَ» وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث الْحجَّاج بن أَرْطَاة عَن وبرة ونافعٍ عَن ابْن عمر مَرْفُوعا.

.الحديث الحَادِي بعد الْعشْرين:

ورد «النَّهْي عَن قَتْلِ النَّحْل والنمل».
هَذَا صَحِيح، فَفِي مُسْند أَحْمد وسنَن أبي دَاوُد فِي بَاب الْأَدَب- فِي آخِره- وابْنِ مَاجَه فِي الصَّيْد، وصَحِيح ابْن حبَان من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: «أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم نهَى عَن قَتْلِ أَربع مِنَ الدَّوَابّ: النملة، والنحلة، والهدهد، والصرد». إِسْنَاده صَحِيح، قَالَ صَاحب الإِمام: رِجَاله رجال الصَّحِيح. وَخَالف أَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة، فَفِي علل ابْن أبي حَاتِم: سألتُ أبي عَنهُ فَقَالَ: هُوَ حَدِيث مُضْطَرب. قَالَ: وَقَالَ أَبُو زرْعَة: الصَّحِيح أَنه مُرْسل. وَذكره الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه فِي أَوَائِل بَاب الْأَطْعِمَة من طرق عَن ابْن عَبَّاس، وَقَالَ: إِنَّه أَقْوَى مَا ورد فِي هَذَا الْبَاب. قَالَ: وَقد رُوي من حَدِيث عبد الْمُهَيْمِن بن عَبَّاس بن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ قَالَ: سمعتُ أبي يذكر عَن جَدِّي عَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «أَنه نهَى عَن قَتْلِ الْخَمْسَة: عَنِ النملة، والنحلة، والضفدع، والصرد، والهدهد». قَالَ: وَهَذِه الطَّرِيق تفرد بهَا عبد الْمُهَيْمِن بن عَبَّاس وَهُوَ ضَعِيف. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله: ورُوي هَذَا الحَدِيث أَيْضا من طَرِيق أبي هُرَيْرَة، وَهُوَ وهم، وَإِنَّمَا الصَّوَاب أَنه عَن عبد الله بن عَبَّاس.

.الحديث الثَّانِي بعد الْعشْرين:

ورد «النَّهْي عَن قَتْل الخطاف».
هُوَ كَمَا قَالَ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من رِوَايَة أبي الْحُوَيْرِث عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة- وَهُوَ من تَابِعِيّ التَّابِعين أَو من التَّابِعين- عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «أَنه نهَى عَن قَتْل الخطاطيف، وَقَالَ: لَا تقتلُوا هَذِه العوذ، إِنَّهَا تعوذ بكم من غَيْركُمْ». قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيم بن طهْمَان، عَن عباد بن إِسْحَاق، عَن أَبِيه قَالَ: «نهَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الخطاطيف عُوَّذِ البيوتِ». وَمن هَذَا الْوَجْه أخرجه أَبُو دَاوُد فِي مراسيله، قَالَ الْبَيْهَقِيّ: كِلَاهُمَا مُنْقَطع. قَالَ: وَرَوَى حَمْزَة النصيبي فِيهِ حَدِيثا مُسْندًا، إِلَّا أَنه كَانَ يُرْمى بِالْوَضْعِ. وصَحَّ عَن عبد الله بن عَمرو بن الْعَاصِ مَوْقُوفا عَلَيْهِ أَنه قَالَ: «لَا تقتلُوا الضفادع؛ فَإِن نقيقها تَسْبِيح، وَلَا تقتلُوا الخفاش؛ فَإِنَّهُ لمَّا خَرِبَ بيتُ المقْدِسِ قَالَ: يَا ربِّ سَلطنِي عَلَى الْبَحْر حَتَّى أُغْرِقَهُمْ». قَالَ الْبَيْهَقِيّ: إِسْنَاده صَحِيح. وَفِي بعض نُسَخ التَّذْكِرَة لِابْنِ طَاهِر الْحَافِظ من حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا «النهيُّ عَن قَتْلِ الخطاطيف والأمرُ بقَتْل العنكبوت، وَكَانَ يُقَال: إِنَّهَا مسخ». أعلَّه بعَمرو بْنِ جُمَيْع، قَالَ يَحْيَى: كَانَ كذابا خبيثًا.

.الحديث الثَّالِث بعد الْعشْرين:

وَرَدَ «النَّهْي عَن قَتْل الضُّفْدَع».
هُوَ كَمَا قَالَ، رَوَاهُ أَحْمد فِي الْمسند وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمْ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان بن عبيد الله التَّيْمِيّ الصَّحَابِيّ، وَهُوَ ابْن أخي طَلْحَة بن عبيد الله، قَالَ: «ذكر طَبِيب عِنْد رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم دَوَاء وذَكَرَ الضفدعَ يُجْعَلُ فِيهِ؛ فَنَهَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن قَتْلِ الضفدع» قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: إِنَّه أَقْوَى مَا رُوِيَ فِي النهْي. وَفِي سنَن الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «نهَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن قَتْلِ: الصرد، والضفدع، والنملة، والهدهد». وَفِي سَنَدِهِ إِبْرَاهِيم بن الْفضل المَخْزُومِي، وَقد تَركه غيرُ واحدٍ، وَقَالَ خَ وغيرُه: مُنْكَر الحَدِيث.
تَنْبِيه: وَقع فِي الْخُلَاصَة عَلَى مَذْهَب الْحَنَفِيَّة: «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام سُئِلَ عَن الضفدع يَجْعَل شحمه فِي الدَّوَاء؟ فَقَالَ: خَبِيث من الْخَبَائِث». وَلم أره بِهَذَا اللَّفْظ؛ نعم اللَّفْظ الْأَخير وَرَدَ فِي القنفد، كَمَا سَتَعْلَمُهُ فِي كتاب الْأَطْعِمَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

.الحديث الرَّابِع بعد الْعشْرين:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «لَحْمُ الصَّيْد حَلَال لكم فِي الْإِحْرَام مَا لم تصطادوا أَو لم يُصد لكم».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي سُنَنهمْ، وابْنُ حبَان فِي صَحِيحه، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنَيْهِمَا من حَدِيث عَمرو بن أبي عَمرو ميسرةَ مولَى الْمطلب بن عبد الله بن حنْطَب، عَن مَوْلَاهُ الْمطلب، عَن جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «صَيْدُ البَرِّ لكم حَلَال مَا لم تصيدوه أَو يُصَاد لكم» هَذَا لفظ د، س، ت، إِلَّا أَن ت، س قَالَا: «يصد لكم» بِحَذْف الألِف، وَكَذَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وحَذَفَ ابْن حبَان لَفْظَة «لكم» وَلَفظ الْحَاكِم مثل رِوَايَة الْأَوَّلين وَقَالَ: «يُصاد» بالألِف، وَفِي رِوَايَة لَهُ: «لحم صيد البَرِّ لكم حَلاَل وَأَنْتُم حرم مَا لم تصيدوه أَو يصاد لكم». وَلَفظ الْبَيْهَقِيّ كهاتين الرِّوَايَتَيْنِ.
وَإسْنَاد هَذَا الحَدِيث إِلَى عَمرو بن أبي عَمرو صَحِيح، وأمَّا عَمرو بن أبي عَمرو فقد ليَّنَهُ جَماعة، قَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِقَوي وَإِن كَانَ قد رَوَى عَنهُ مَالك. وَقَالَ يَحْيَى بن معِين: لَا يحْتَج بحَديثه. وَقَالَ مرّة: لَيْسَ بِقَوي وَلَيْسَ بحُجَّةٍ. وَقَالَ السَّعْدِيّ: مُضْطَرب الحَدِيث. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: لَيْسَ بالقويّ. وَقَالَ ابْن الْقطَّان: هُوَ مستضعف، وَأَحَادِيثه تدل عَلَى حالِهِ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي محلاه: هَذَا خبر سَاقِط لأَجله. وَأَشَارَ الترمذيُّ إِلَى تَضْعِيف الحَدِيث من وَجْهٍ آخَر فَقَالَ: لَا نَعْرِف للمطلَّب سَمَاعا من جابرٍ. وَقَالَ فِي موضعٍ آخر: قَالَ مُحَمَّد: لَا أعرف للمطلب سَمَاعا من أحدٍ من الصَّحَابَة إِلَّا قَوْله:
«حدَّثني مَنْ شهد خُطْبةَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم» وَسمعت عبد الله بن عبد الرَّحْمَن- يَعْنِي: الدَّارمِيّ- يَقُول: لَا نَعْرف لَهُ سَمَاعا من أحدٍ من الصَّحَابَة. وطَعَنَ فِي الْمطلب ابْنُ سَعْدٍ فَقَالَ: لَيْسَ يُحتج بحَديثه؛ لِأَنَّهُ يُرْسل عَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم كثيرا ولَيْسَ لَهُ لِقَاء، وعامَّة أَصْحَابه يدلِّسُون.
وَالْجَوَاب عَن هَذِه التعليلات: أما تَضْعِيف عَمرو فَلَا يقبل؛ فَإِنَّهُ من رجال الصَّحِيحَيْنِ، والسّنَن الْأَرْبَعَة رووا عَنهُ وَاحْتَجُّوا بِهِ، وَاحْتج بِهِ أَيْضا الإمامُ مَالك، ورَوى عَنهُ وَهُوَ الْقدْوَة، وَقد عُلِم من عَادتِهِ أَنه لَا يروي فِي كِتَابه إِلَّا عَن ثِقَة، وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل فِيهِ: لَيْسَ بِهِ بَأْس. وَقَالَ أَبُو زُرْعة: ثِقَة. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَا بَأْس بِهِ. وَقَالَ ابْن عدي: لَا بَأْس بِهِ؛ لِأَن مَالِكًا رَوَى عَنهُ، وَلَا يروي مَالك إلاَّ عَن صَدُوق ثِقَة. وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته وَقَالَ: رُبمَا أَخطَأ، يُعْتَبَرُ بحَديثه من رِوَايَة الثِّقَات عَنهُ.
وَهَذَا الحَدِيث كل من رَوَاهُ عَنهُ فَهُوَ ثِقَة، وَقد أخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه من جِهَته، والحاكمُ فِي مُسْتَدْركه وَقَالَ: إِنَّه صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ. قَالَ: وَرَوَاهُ عَن عَمرو يعقوبُ بن عبد الرَّحْمَن الإسْكَنْدراني وَيَحْيَى بن عبد الله بن سَالم، ومالكُ بْنُ أنسٍ، وسليمانُ بْنُ بِلَال مسنَدًا مُتَّصِلا، وهم ثِقَات. قَالَ: وَلَا يُعلل هَذَا بِحَدِيث الشَّافِعِي، عَن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد، عَن عَمرو بن أبي عَمْرو، عَن رجلٍ مِنَ الْأَنْصَار، عَن جَابر مَرْفُوعا، فَإِن الْأَوَّلين وصَلُوه، وهم ثِقَات. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: حَدِيث صَحِيح عَن عَمرو بن أبي عَمرو. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه: أَقَامَ ثَلَاثَة من الثِّقَات إِسْنَاد هَذَا الحديثِ عَن عَمرو، وهُمْ: يَحْيَى بْنُ عبد الله بن سَالم، ويعقوبُ بن عبد الرَّحْمَن الزُّهْرِيّ، وَسليمَان بن بِلَال. قَالَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الشافعيُّ عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد عَن عَمرو، وَعَن الثِّقَة عِنْده، عَن سُلَيْمَان بن بِلَال، عَن عَمروٍ. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن أبي دَاوُد، عَن مَالك بن أنس، عَن عَمرو. قَالَ: ورَوَاهُ عبد الْعَزِيز الدَّرَاورْدِي، عَن عَمرو، عَن رجل من بني سَلمَة، عَن جابرٍ مَرْفُوعا. قَالَ الشَّافِعِي: وَابْن أبي يَحْيَى أحفظ من الدراورديِّ وَسليمَان مَعَ ابْن أبي يَحْيَى. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَكَذَلِكَ يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن وَيَحْيَى بن عبد الله بن سَالم وهما مَعَ سُلَيْمَان من الْأَثْبَات.
قلت: فَحصل من ذَلِك كُله تَوْثِيق عَمرو، وَتَصْحِيح هَذَا الحَدِيث، ومَنْ جرح عَمرو بْنَ أبي عَمرو فَلم يفسِّرْ جرحه، وَقد عُرف أَن الْجرْح لَا يقبل إِلَّا مُفَسرًا. قَالَ التِّرْمِذِيّ: قَالَ الشَّافِعِي: هَذَا الحَدِيث أَحْسَنُ شَيْء رُوي فِي هَذَا الْبَاب وأَقيس. وأمَّا إِدْرَاك الْمطلب لجابرٍ، فَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: رَوَى عَن جَابر، وَيُشبه أَن يكون أدْرَكَهُ. هَذَا كَلَامه؛ فَحصل شكّ فِي إِدْرَاكه، وَمذهب مُسلم بن الْحجَّاج الَّذِي ادَّعَى فِي مُقَدّمَة صَحِيحه الْإِجْمَاع عَلَيْهِ أَنه لَا يُشْتَرَطُ فِي اتِّصَال الحَدِيث اللِّقَاء بل يَكْفِي إِمْكَانه. والإمكان حَاصِل قطعا، وَمذهب عَلّي بن الْمَدِينِيّ وَالْبُخَارِيّ والأكثرين اشْتِرَاط ثُبُوت اللِّقَاء. فَعَلَى مَذْهَب مُسلم الحَدِيث مُتَّصِل، وَعَلَى مَذْهَب الْأَكْثَرين يكون مُرْسل بعض التَّابِعين. ومرسل التَّابِعِيّ الْكَبِير حُجَّة إِذا اعتضد بِأحد أمورٍ، مِنْهَا: قَول بعض الصَّحَابَة بِهِ. وَقد قَالَ بِهِ مِنَ الصَّحَابَة عثمانُ بْنُ عَفان، كَمَا نَقله ابْن الْمُنْذر عَنهُ. وَمِنْهَا: أَن يسند من جِهَة أُخْرَى. وَقد وُجدَ ذَلِك أَيْضا؛ فقد رَوَاهُ الخطيبُ فِي كتاب مَنْ رَوى عَن مَالك من حَدِيث عُثْمَان بن خَالِد الْمدنِي، نَا مَالك، عَن نَافِع، عَن ابْن عُمر قَالَ: قَالَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «الصَّيْد يَأْكُلهُ الْمحرم مَا لم يصده أَو يصد لَهُ». ثمَّ قَالَ الْخَطِيب: تفرَّد بروايته عُثْمَان عَن مَالك.
قلت: وَعُثْمَان ضعَّفوه، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث يُوسُف بن خَالِد السَّمْتِي، عَن عَمرو بن أبي عَمرو، عَن الْمطلب، عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ مَرْفُوعا: «لحمُ الصَّيْد حَلَال لكم مَا لم تصيدوه أَو يُصَدْ لكم وَأَنْتُم حُرُم». ويوسف هَذَا واهٍ. وَأما الْكَلَام فِي الْمطلب فقد خَالف ابْنَ سعد أَبُو زرْعَة فَقَالَ: ثِقَة. وَكَذَا وثَّقه الدارقطنيُّ وغيرُه.
فَائِدَة: رِوَايَة: «أَو يصاد لكم» بالألفِ، لَا إِشْكَال فِيهَا، وَرِوَايَة مَنْ رَوَى: «أَو يُصَدْ» بحذفها، جَائِزَة عَلَى لُغَة، وَمن ذَلِك: قَوْله تَعَالَى: {إِنَّه من يتقِ ويصبر} عَلَى قِرَاءَة من قَرَأَ بِالْيَاءِ، وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
بِمَا لاقتْ لَبُونُ بني زِياد ألَمْ يَأْتيكَ والأَنْبَاءُ تَنْمى.